الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

264

نفحات القرآن

بما أنّ جسم الإنسان يفنى عن آخره فإنّ إعادته يوم القيامة من قبيل إعادة المعدوم ، ونحن نعلم باستحالة إعادة المعدوم ، فمن هنا تصبح مسألة المعاد الجسماني أمراً معضلًا . ولكننا لو أمعنّا النظر في هذه المسألة لتبيّن بأنّ إعادة المعدوم بتلك الصورة ليس بمحال ، ويتضح أيضاً بأنّ المعاد ليس من قبيل إعادة المعدوم . توضيح ذلك : لقد استدل الفلاسفة بأدلة متعددة على استحالة إعادة المعدوم ، حتى أنّهم يرون بأنّ استحالة إعادة المعدوم إلى الوجود من الأمور البديهية ، وذلك لأنّ إعادة الشيء يجب أن تكون إعادة من جميع الجهات ، ومن البديهي أنّ الشيء الذي كان موجوداً بالأمس يستحيل أن يعاد اليوم بجميع خصوصياته ، وذلك لأنّ « وجوده بالأمس » هو من أحد خصوصياته فكيف يمكن أن نجمع بين اليوم والأمس في آن واحد ؟ هذا عين التناقض . ولكن إذا ما صرفنا « النظر عن هذه الخصوصية بالذات فإنّه لا يبقى أي مانع من إعادة عين الموجود الأول بجميع خصوصياته باستثناء خصوصية الزمان . ومن البديهي أنّ الموجود الجديد لا يكون عين الموجود السابق بالدقّة التامّة بل هو مثله ، بهذا يعود النزاع في مسألة استحالة أو عدم استحالة المعدوم إلى نزاع لفظي ، فالمنكرون يقولون باستحالة إعادة جميع الحيثيات ، بينما يقول المؤيدون بإمكان الإعادة بجميع الحيثيات « باستثناء الزمان » . وممّا لا شك فيه أنّ أنصار تحقق المعاد الجسماني لا يعتقدون بإعادة نفس الموجود المقيد بالزمان الماضي ، بل بإعادة الشئ في زمانٍ آخر فهو عين الموجود السابق من جهة ومثله من جهة أخرى . ( فتأمل ) . وإذا ما تجاوزنا ذلك لا يُعتبر المعاد من مصاديق إعادة المعدوم ، وذلك لأنّ الروح لا تفنى وتبقى بعينها ، وبالرغم من اضمحلال الجسم وتفرّقه فهو « لا يفنى أيضاً ، بل يتحوّل إلى تراب ، وكل ما في الأمر أنّه يفقد شكله الظاهري فيعاد إليه يوم القيامة شكله السابق . فإذا كان المراد من إعادة المعدوم إعادة الصورة فحسب فإنّ ما يعاد يوم القيامة هو صورة مشابهة للصورة السابقة ، لكنّ بقاء الروح مع وحدة مادة الجسم هما العامل الرئيسي لحفظ وحدة